عبد اللطيف البغدادي

45

مقالتان في الحواس ومسائل طبيعية

وختم المؤلفون هذه المقدمة الغريبة بقولهم إن عبد اللطيف كان يحب أرض مصر حبا جما ، وإن كتابه - الذي شاع صيته بسبب تقديمه صورة لمصر صادقة وفريدة في عهد لم يزر فيه هذه الأرض من الأوروبيين إلا النزر اليسير - إن هذا الكتاب يهيىء للقارئ المميز التواؤم التام مع حكمة هذا المعلم الملهم وفي رأينا أن رفع عبد اللطيف إلى مستوى قواد الفكر الكونيين أمر يدعو إلى التعجب والتساؤل ، فإننا ، بحكم ستار السريّة الكثيفة التي اعتاد « المتصلون بعالم الروح » إسداله على طقوسهم ، عاجزون عن تقدير جدية إيمانهم به ، أو سعة نفوذ هذا الإيمان عليهم ، هذا إن وجد له أي نفوذ ، أهي مسرحية تجارية لترويج المؤلف ، يشارك في مسئوليتها إما الوسيطان أو المترجمان ، إن لم يشتركوا فيها جميعا ، أم ترى استمر عبد اللطيف بالانشغال بالعلوم السرية بعد أن ادعى الإقلاع عنها ودأب في النصف الثاني من حياته على وصف ممارسيها بالتفاهة والشعوذة ؟ ترى هل أسس مدرسة من المريدين أحيوا ذكراه سبعة قرون بعد وفاته وأضافوا إلى سيرته من مخيلتهم ما رفعه في نظرهم إلى ما فوق الطبيعة ؟ إن هذه الناحية لم يعرض لها مؤرخه ابن أبي أصيبعة البتة ، ولا ندري منها سوى أنه شغف ردهة بالصنعة وهي أقرب ما جاء في ترجمته شبيها بهذه « العلوم السرّيّة » . كتاب الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر بعد البسملة ، استهل البغدادي هذا المؤلف الذي وصفه فيليب حتى الأستاذ بجامعة برنستون بالولايات المتحدة بأنه من أهم المؤلفات التوبوغرافية عن مصر ، استهله ببيان قصده من وضعه ، فقال : « . . . فإني لما أنهيت كتابي في أخبار مصر المشتمل على ثلاثة عشر فصلا رأيت أن أفرد معه الحوادث الحاضرة والآثار البادية المشاهدة ، إذ كانت أصدق خبرا وأعجب أثرا وأن ما عداها قد يوجد بعضه أو كله في كتب من سلف مجتمعا أو مفترقا فألفت ذلك في فصلين جردتهما وجعلتهما مقالتين في هذا الكتاب وهذا حتى « يخف إنهاؤه ويلطف موقعه عند عرضه على صاحب الأمر وإمام